عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
112
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
الرجل هكذا مع هذا البخل ؟ وبعد ذلك رأى البياع ذاك التاجر وقال : أيها السيد ، رأيت منك شيئا عجيبا ، إنك أتعبتنى يوما بين جماعة من الصباح حتى صلاة الظهر في صداع « 1 » قيراط ذهب ثم وهبته كله لصبي ، فلم كان ذاك الصداع ؟ وما هذا السخاء ؟ فقال الرجل لا تعجب منى ، فأنا رجل تاجر ، وفي شرط التجارة أنه إذا غبن شخص في درهم وقت البيع والشراء والتصرف يكون كمن قد غبن في نصف عمره ، وإذا ظهرت النذالة من شخص في وقت المروءة ، يكون ذلك كما لو أنه قد شهد على دنس أصله ، فلم أرد أن أكون مغبون العمر ولا دنس الأصل . أما التاجر القليل البضاعة فينبغي أن يحترز من المشاركة ، وإذا فعل فمع شخص ذي مروءة وغنى وحياء ، حتى لا يحيف عليه في وقت القسمة ، ولا يشترى في بداية تكوين رأس ماله متاعا يستنفد منه واحدا في المائة وتصير له نفقات كثيرة ، ولا يبتاع شيئا يدخل فيه مع الغير ، ولا متاع الميت والمنكسر ، ولا يجرب حظه في رأس المال ، إلا أن يعلم أنه إذا صارت خسارة لا تكون أكثر من نصف رأس المال ، وإذا أعطوه كتابا قائلين أوصله إلى المكان الفلاني ، يقرأ الكتاب أولا ثم يأخذه ، إذ إن في الكتاب المختوم بلايا كثيرة ، ولا يمكن أن يعرف كيف يكون الحال ، أما كتاب المحتاجين فلا يخشى منه ، ولا يخبر عن حيف في كل مدينة يدخلها ، وإذا دخل من طريق فلا ينعى أحدا ولا يقصر في خبر التهنئة ، ولا يسير في الطريق الخارجي بغير رفيق ، وينزل في وسط الزحام بالقافلة ويضع القماش في المكان المزدحم ، ولا يذهب أو يجلس بين المسلحين ؛ لأن الصعلوك يقصد المسلح أولا ، وإذا كان راجلا لا يصحب الراكب ، ولا يسأل الطريق من الغرباء ، إلا من شخص يتوسم فيه الصلاح ، فكثيرا ما يكون رجل لئيم يضلل الناس الطريق ، ويأتي من بعد ذلك ويسلب البضاعة ، وإذا اعترض الطريق شخص يسلم عليه بوجه طلق ، ولا يظهر له نفسه في اضطراب وعجز ، ولا يخون الحراس ، ولكن لا يقصر في خداعهم بتكلمه معهم بالجرأة ، ولا يسير في الطريق الخارجي بغير زاد ومؤنة ، ولا يسافر في الصيف بغير ملابس الشتاء ، ولو كان الطريق عامرا جدا ، ويرضى المكارى ، وإذا نزل بمكان لا يعرفه ولا يأنس به ، يتخير بياعا أمينا ، وينبغي أن يصاحب ثلاث طوائف من الناس : الفتيان والعيارين ، والأغنياء وذوى المروءة ، والأولاد والعارفين بالبلاد . واجتهد أن تعتاد البرد والحر والجوع والعطش ، ولا تسرف في الراحة ، حتى إذا ما حل تعب بالضرورة في وقت ما يسهل عليك ، وكل عمل تستطيع أن تعمله اعمله بنفسك ولا تأمن لأحد ، لأن الدنيا سريعة الخداع ، أما رأس مال التجارة فالصدق ، وكن جلدا في الشراء والبيع ، وكن ثقة وصادقا ، وكثير الشراء فالبيع ، ولا تتعامل ما استطعت بالنسيئة ، فإذا فعلت فلا تتعامل مع بضعة أصناف من الناس : مع العلماء والعلويين ، ومع حديثي النعمة وقليلي المال ، ووكلاء القاضي الخواص ، والصبيان والخدم ، لا تتعامل مع هؤلاء القوم قط بالنسيئة ، وكل من يفعل ذلك لا ينحو من الصداع والندم ، ولا تأمن المحرومين على
--> ( 1 ) من جراء .